السيد علي الطباطبائي

391

رياض المسائل ( ط . ق )

وفي الجميع نظر فالإجماع بوهنه بمصير الأكثر على خلافه مع عدم قائل بما ادعى عليه عدا الناقل له وبعض من سبقه ومع ذلك فالمحكي عنه وعن الموافق له ما يوافق القوم فعن الإسكافي إذا كان الشاهد حرا بالغا مؤمنا بصيرا معروف النسب مرضيا غير مشهور بكذب في شهادة ولا بارتكاب كبيرة ولا مقام على صغيرة حسن التيقظ عالما بمعاني الأقوال عارفا بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل ولا تهاون بواجب من علم أو عمل ولا معروف بمباشرة أهل الباطل والدخول في جملتهم ولا بالحرص على أهل الدنيا ولا بساقط المروة بريئا من أهواء أهل البدع التي يوجب على المؤمنين البراءة من أهلها فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم وعن المفيد العدل من كان معروفا بالدين والورع عن محارم اللَّه وعن النهاية العدل الذي يجوز شهادته للمسلمين وعليهم هو أن يكون ظاهره ظاهر الإيمان ثم يعرف بالستر والصلاح والعفاف إلى آخر ما سيأتي في بعض الصحاح وقريب منه عن ظاهر هذا مع أنه معارض بما يظهر من الفاضل المقداد في كنز العرفان من كون تفسير العدالة بالملكة مجمعا عليه حيث نسبه إلى الفقهاء بصيغة الجمع المحلى باللام المفيد للعموم لغة وإليه يشير كلام المقدس الأردبيلي ره في شرح الفوائد أيضا حيث قال وقد عرفت في الأصول والفروع من الموافق والمخالف بالملكة التي يقتدر بها على ترك الكبائر والإصرار على الصغائر والمروءات وأظهر منهما في الدلالة على انعقاد الإجماع على خلاف الإجماع المتقدم كلام الماتن في الشرائع حيث نسب الرواية الدالة على الاكتفاء في العدالة بظاهر الإسلام إلى الشذوذ والندرة وأما النصوص فبضعف سند أكثرها وعدم جابر لها مع عدم وضوح دلالة جملة منها كالمرسل المشترط كون ظاهره ظاهرا مأمونا والخبر المشترط زيادة على الولادة على الفطرة كونه معروف الصلاح في نفسه والشرطان كما يحتمل أن يكون المراد بهما عدم ظهور الفسق كذا يحتمل أن يراد بهما ما يزيد عليه من الملكة أو حسن الظاهر ومعه لا يمكن الاستدلال سيما مع ظهوره منهما بحكم التبادر وما سيأتي من الأخبار ومع ذلك فهي معارضة بظواهر الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة المانعة عن قبول شهادة الفاسق بالمرة بناء على أن الفاسق اسم لمن ثبت له وصف الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة في نفس الأمر ولا مدخلية لسبق المعرفة به في حقيقته ومفهومه لغة بل ولا عرفا مع أن المنع عن قبول شهادته في الآية معلل بكراهة الوقوع في الندم وهي كالصريحة بل صريحة في اعتبار الوصف الواقعي ومقتضى تعليق الحكم عليه لزوم مراعاته والبحث عن ثبوته وعدمه في نفس الأمر والإسلام كما يجامع هذا الوصف ظاهرا كذا يجامعه واقعا وبسببه يحتمل الوقوع في الندم فيجب الفحص عنه وقريب منها الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة الدالة على اعتبار العدالة بناء على أن المتبادر منها عرفا وعادة ليس هو مجرد الإسلام مع عدم ظهور فسق جدا سيما بملاحظة ما يستفاد من جملة وافرة من النصوص في موارد عديدة من اعتبار الأعدلية ولا يتأتى إلا بقبولها المراتب المترتبة ضعفا وقوة ولا يكون ذلك إلا بتفسيرها بغير ذلك مما يرجع إلى أمر وجودي وإلا فالأمر العدمي ولو ركب مع وجودي لا يقبل المراتب كما هو واضح ومع ذلك فالنصوص بردها بالخصوص مستفيضة ففي الصحيح بم يعرف عدالة الرجل من المسلمين حتى يقبل شهادته لهم وعليهم فقال بأن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان وباجتناب الكبائر التي أوعد اللَّه تعالى عليها النار من شرب الخمر والزنى والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك والدليل عليه أن يكون ساترا لعيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس وأن لا يتخلف عن جماعة المسلمين في مصلاهم إلا من علة فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلاها وعن مولانا العسكري ع في تفسير قوله تعالى مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ يعني ترضون بدينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه فيما يشهد به وتحصيله وتمييزه فما كل محصل صالح مميز ولا كل مميز صالح الحديث وفي الخصال عن مولانا الرضا ع عن آبائه عن علي ع قال قال رسول اللَّه ص من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته وظهرت عدالته ووجبت إخوته وحرمت غيبته ونحوه آخر مروي فيه أيضا وفي الموثق لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا وفي الخبر في المكاري والملاح والجمال قال لا بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء وفي آخر الرجل يشهد لابنه والابن يشهد لأبيه والرجل لامرأته قال لا بأس بذلك إذا كان خيرا والمتبادر من الخيرية والصيانة والصلاح والعفة في سابقه هو الأمر الوجودي الزائد على مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق قطعا كما في العدالة قد مضى وهذه النصوص مع كثرتها وموافقتها الكتاب والسنة المستفيضة بل المتواترة كما مر إليه الإشارة واعتبار سند جملة منها وانجبار باقيها بالشهرة العظيمة بين أصحابنا التي كادت تكون إجماعا أظهر دلالة من الروايات الماضية بل التعارض بينهما تعارض المطلق والمقيد كما صرح به جماعة فإن الأخبار السابقة على تقدير دلالتها جملة لا تدل إلا على أن المسلم الذي لم يظهر منه فسق مقبول الشهادة وهو مطلق يعم ما لو كان متصفا بالملكة أو حسن الظاهر أم لا وهذه النصوص كما عرفتها كالصريحة بل صريحة في اعتبار الشيء الزائد على ما في تلك فلتكن به مقيدة وبالجملة لا ريب في ضعف القول الأول ولا شبهة بقي الكلام في ترجيح أحد القولين الأخيرين والمشهور القريب من الإجماع بل المجمع عليه كما يستفاد من كنز العرفان وغيره كما مر الثاني وهو الأوفق بالأصول وما دل على اعتبار العدالة ومنع قبول شهادة الفاسق بناء على ما مر قريبا من اعتبار الوصفين في نفس الأمر ولا يمكن المعرفة بهما من دون توسط النقل والقرائن القطعية إلا بالمعاشرة الباطنية المطلعة على الباطن والسريرة وإن لم يعلمها كما هي غير اللَّه سبحانه لكن يتعين أقرب المجازات حيثما تعذرت الحقيقة وهذه القاعدة في غاية من المتانة سيما بعد الاعتضاد بالأصول المتقدمة والشهرة العظيمة إلا أن المستفاد من تتبع الأخبار السابقة سيما الصحيحين منها وغيرها بعد ضم بعضها إلى بعض كفاية حسن الظاهر كما عليه